الهوية العربية في عصر العولمة الرقمية.. كيف نصنع محتوى يعكس هويتنا ويواكب العصر؟

في ظل الانتشار المتسارع لمنصات التواصل الاجتماعي وتنامي تأثير صناع المحتوى في تشكيل الوعي العام، تبرز تساؤلات جوهرية حول مستقبل الهوية العربية في الفضاء الرقمي، ومسؤولية الأفراد والمؤسسات في الحفاظ على الموروث الثقافي وتعزيز حضوره لدى الأجيال الشابة

في إطار الاحتفاء باليوم العالمي للشباب العربي، نظم مركز الريادة للفتيات، يوم الأحد الموافق 5 يوليو 2026، حلقة نقاشية بعنوان تعزيز الهوية العربية في عصر العولمة الرقمية، وذلك في مكتبة قطر الوطنية، بمشاركة نخبة من المختصين والمهتمين بالشأن الإعلامي والثقافي

وجاءت الحلقة لتشكل مساحة للحوار وتبادل الخبرات ووجهات النظر حول التحولات التي فرضتها البيئة الرقمية على المجتمعات العربية، وتأثير وسائل التواصل الاجتماعي في تشكيل توجهات الشباب وقيمهم وسلوكياتهم، إلى جانب استكشاف دور الإعلاميين وصناع المحتوى في تعزيز الهوية العربية وترسيخ حضورها في عالم رقمي متغير

الشهرة وصناعة القدوة.. من التأثير إلى المسؤولية

استعرض الدكتور عبدالله بن فطيس تأثير مشاهير وسائل التواصل الاجتماعي في تشكيل توجهات الشباب وسلوكياتهم، متناولاً مفهوم القدوة لدى الجيل الحالي والعوامل التي تسهم في اختيار الشخصيات المؤثرة ومتابعتها

كما ناقش ظاهرة السعي وراء الشهرة ودوافعها وانعكاساتها على الشباب، مؤكداً أهمية التمييز بين الشهرة القائمة على المحتوى الهادف والإنجاز الحقيقي، وتلك التي تعتمد على جذب الانتباه دون تقديم قيمة مضافة

وتطرق كذلك إلى تأثير المنصات الرقمية في تشكيل الهوية الثقافية والاجتماعية، ودورها في التأثير على اهتمامات الشباب وقيمهم وأنماط تفاعلهم مع المجتمع. وفي هذا السياق، أكد أهمية الاستفادة من تأثير المشاهير وصناع المحتوى في دعم الهوية المحلية والترويج للثقافة الوطنية، من خلال تقديم محتوى عصري وجاذب يعكس الموروث والقيم المجتمعية، ويسهم في تعزيز الانتماء لدى مختلف فئات المجتمع

صناعة المحتوى بين سرعة الانتشار وجودة المضمون

من جانبه، تناول الدكتور محسن الإفرنجي طبيعة المحتوى الذي يقدمه صناع المحتوى في الوقت الراهن، في ظل المنافسة المتزايدة على جذب انتباه الجمهور وتحقيق معدلات تفاعل مرتفعة

وسلط الضوء على التحديات التي تواجه صانع المحتوى في المحافظة على اهتمام جمهوره، وما يترتب على ذلك من سعي مستمر لتقديم محتوى سريع ومتجدد يواكب متطلبات المنصات الرقمية

كما تطرق إلى العلاقة بين صانع المحتوى والصحفي، مشيراً إلى أن المنافسة على جذب الجمهور أسهمت في ظهور ما يُعرف بـتسطيح المحتوى الصحفي، حيث يميل بعض المحتوى إلى الاختصار والإثارة على حساب العمق والتحليل

وأكد أهمية وجود أطر تنظيمية وتشريعية تسهم في ضبط المحتوى المتداول عبر المنصات الرقمية، بما يعزز المسؤولية في النشر ويحافظ على جودة المضمون المقدم

وشدد النقاش كذلك على ضرورة تكامل الأدوار بين الأسرة والمؤسسات التعليمية والجهات المعنية، لتعزيز التوعية بالاستخدام الآمن والواعي للمنصات الرقمية، وتنمية مهارات التفكير النقدي لدى الأطفال في التعامل مع المحتوى الرقمي

الوعي الإعلامي والتحقق من المعلومات

بدورها، ناقشت الأستاذة منى حوا دور المنصات الرقمية في تسهيل الوصول إلى الجمهور، وما أتاحته من فرص أمام الأفراد وصناع المحتوى لنشر الرسائل والأفكار والوصول إلى شرائح واسعة خلال وقت قصير

وتناولت تنامي اعتماد فئات من المجتمع، وخاصة الشباب، على وسائل التواصل الاجتماعي بوصفها مصدراً رئيسياً للحصول على المعلومات والأخبار، الأمر الذي يستدعي تعزيز الوعي بأهمية التحقق من مصداقية المحتوى قبل تداوله أو الاعتماد عليه

وأكدت ضرورة تنمية مهارات التحقق من المعلومات والتمييز بين المصادر الموثوقة وغير الموثوقة، وتعزيز الوعي الإعلامي والرقمي لدى الأفراد، بما يساعدهم على التعامل مع الفضاء الرقمي بوعي ومسؤولية

الجمهور شريك في صناعة الوعي

وشهدت الحلقة النقاشية تفاعلاً لافتاً من الحضور، من خلال مجموعة من المداخلات والأسئلة التي أسهمت في إثراء الحوار وتوسيع النقاش حول المحاور المطروحة، وتنوعت المشاركات بين تبادل وجهات النظر واستعراض التجارب العملية ومناقشة التحديات المرتبطة بوسائل التواصل الاجتماعي وصناعة المحتوى وتأثيرها في المجتمع

ومن أبرز المداخلات مشاركة الإعلامي سلطان الشرشني، الذي تناول عدداً من الجوانب المرتبطة بمفهوم الهوية ودور صناع المحتوى، مؤكداً أهمية تقديم محتوى مهني وهادف يعزز الوعي المجتمعي، ومسلطاً الضوء على مسؤولية الإعلاميين وصناع المحتوى في إحداث تأثير إيجابي في الجمهور

وعكس هذا التفاعل أهمية إشراك الجمهور في النقاشات المتعلقة بالتحولات الرقمية، وإتاحة الفرصة أمام مختلف الآراء والتجارب للمساهمة في بناء فهم أعمق للتحديات والفرص التي تفرضها البيئة الرقمية

نحو هوية عربية حاضرة في المستقبل الرقمي

أكدت مخرجات الحلقة النقاشية أن تعزيز الهوية العربية في عصر العولمة الرقمية لا يقتصر على المحافظة على الموروث الثقافي، بل يتطلب أيضاً تقديمه بأساليب مبتكرة ومعاصرة قادرة على الوصول إلى الأجيال الجديدة ومواكبة التحولات التكنولوجية والإعلامية

كما برزت أهمية تكامل الجهود بين الأسرة والمؤسسات التعليمية والإعلامية والجهات المعنية، لبناء بيئة رقمية أكثر وعياً ومسؤولية، تدعم المحتوى الهادف، وتشجع الشباب على المشاركة الإيجابية في صناعة المعرفة والثقافة

وفي ختام الحلقة، طُرحت أهمية إنشاء برامج اجتماعية محلية تحمل طابعاً عربياً، بما يسهم في تعزيز الهوية الوطنية وترسيخ حضور الثقافة العربية في الفضاء الرقمي، إلى جانب تعزيز مسؤولية مختلف الجهات في دعم المحتوى الهادف وتطوير الوعي الإعلامي

إن الحفاظ على الهوية العربية في عالم رقمي متسارع لا يعني الابتعاد عن الحداثة، بل القدرة على التفاعل معها بثقة ووعي، وتوظيف أدواتها لإبراز الثقافة والقيم والموروث العربي بصورة تواكب العصر وتخاطب العالم. ومن هنا، تبرز أهمية المبادرات الحوارية التي تفتح المجال أمام الشباب للمشاركة والتفكير والإبداع، وتؤكد دورهم بوصفهم شركاء أساسيين في صياغة مستقبل الهوية العربية